بقلم: د. سمير عبد العزيز
استشاري نظم الحوكمة والاستثمار
جنيف تفتح أصعب ملفات الحوكمة في القرن الرقمي
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل سيغيّر الذكاء الاصطناعي عالمنا؟ فقد بدأ بالفعل في تغيير الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والإدارة الحكومية، والإعلام، وسوق العمل، وحتى الطريقة التي نصنع بها قراراتنا اليومية. السؤال الحقيقي أصبح أكثر حساسية: من يضع القواعد التي تحكم هذا التحول؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تخطئ الخوارزمية أو تضلل أو تميز أو تتسبب في ضرر؟
من هنا تكتسب أعمال الحوار العالمي الأول للأمم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي أهمية استثنائية. وقد انعقدت الجلسة الأولى للحوار في جنيف يومي 6 و7 يوليو 2026، بمشاركة الحكومات وشركات التكنولوجيا والأوساط العلمية والمجتمع المدني، على أن تُعقد الدورة التالية في نيويورك في مايو 2027. وقد أُنشئ هذا الحوار بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، استناداً إلى الالتزامات الواردة في «الميثاق الرقمي العالمي»، ليكون منصة دولية شاملة لمناقشة التعاون وقواعد الحوكمة وتبادل الخبرات في مجال الذكاء الاصطناعي.
ولا ينبغي النظر إلى هذا الحدث بوصفه مؤتمراً تقنياً آخر، أو حلقة جديدة من النقاشات الأخلاقية العامة. فالأهم في جنيف هو انتقال المجتمع الدولي، ولو تدريجياً، من مرحلة الحديث عن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة بناء حوكمة فعلية للذكاء الاصطناعي.
من المبادئ الأخلاقية إلى المساءلة المؤسسية
الأخلاق تخبرنا بما ينبغي فعله، أما الحوكمة فتحدد: من يقرر؟ ومن يراقب؟ ومن يُسأل؟ وكيف يُكتشف الانحراف؟ وما الإجراءات الواجب اتخاذها عند وقوع الضرر؟
ولهذا فإن حوكمة الذكاء الاصطناعي أوسع كثيراً من إصدار قانون أو نشر ميثاق أخلاقي. إنها منظومة متكاملة تشمل تحديد المسؤوليات، وتصنيف المخاطر، والرقابة البشرية، واختبار الأنظمة قبل استخدامها، ومراجعة جودة البيانات، وشفافية النماذج، وحماية الخصوصية، والتدقيق المستقل، وتوفير آليات واضحة للتظلم والتعويض.
ومن منظور الحوكمة المؤسسية، لا يصح أن تكون شركات التكنولوجيا هي المصمم والمطور والمشغّل والمقيّم والحَكَم في الوقت نفسه. فالجهة التي تحقق الإيرادات من نشر النظام لا يمكن أن تكون وحدها صاحبة القرار بشأن مدى أمانه أو عدالته. وكما لا يُترك تقييم القوائم المالية للإدارة التنفيذية وحدها، لا يجوز أن يُترك تقييم الخوارزميات عالية المخاطر لمن قاموا بتطويرها وتسويقها.
إن جوهر الحوكمة هنا هو الفصل بين صنع التقنية، واعتمادها، والرقابة عليها، والتحقيق في أضرارها.
التقييم العلمي الأول: لم يعد الجهل مبرراً
تزامن حوار جنيف مع تقديم التقرير الأول للفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي، وهو فريق يضم أربعين خبيراً من مناطق مختلفة من العالم. ويُعد التقرير أول تقييم علمي عالمي مستقل لفرص الذكاء الاصطناعي ومخاطره وتأثيراته، وقد تناول سبعة مجالات رئيسية، من بينها التطورات العلمية، والآثار الاقتصادية، والصحة والتعليم والزراعة، والأمن والبيئة، وحقوق الإنسان والديمقراطية، وسلامة الأطفال، وأدوات الإدارة والحوكمة.
وتكمن أهمية هذا التقييم في أنه ينقل النقاش من التخمين والانطباعات والمصالح التجارية إلى قاعدة علمية مشتركة يستطيع صانعو السياسات الاستناد إليها.
وقد خلص التقرير إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي يتوسع بسرعة، لكنه يتوسع بصورة غير متكافئة. كما أشار إلى أن تطوير النماذج المتقدمة وقدرات الحوسبة ما زال شديد التركّز؛ إذ تستحوذ الولايات المتحدة، وفق البيانات الواردة في التقييم، على نحو 75% من قدرات الحوسبة المستخدمة في أكبر خمسمائة حاسوب فائق مرتبط بالذكاء الاصطناعي، مقابل نحو 15% للصين، في حين تتأخر غالبية الدول النامية في البنية التحتية والبيانات والمهارات والقدرة على تطوير النماذج.
وهذا التركّز ليس مسألة تقنية فحسب، بل قضية حوكمة وسيادة وعدالة اقتصادية. فمن يملك البيانات والحوسبة والنماذج الأساسية يمتلك قدراً متزايداً من القدرة على التأثير في المعرفة والأسواق والوظائف والخدمات العامة والأمن الوطني.
لذلك كان تحذير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش واضحاً: كلما تقدم الذكاء الاصطناعي دون قواعد مشتركة، تراجعت قدرة الحكومات والمجتمعات على توجيه نتائجه. وقد دعا الحكومات صراحة إلى عدم الانتظار، مؤكداً أن الأدلة العلمية أصبحت متاحة، وأن العالم لم يعد قادراً على الادعاء بأنه لم يكن يعرف حجم الفرص أو المخاطر.
الابتكار يحتاج إلى حواجز حماية
طالب غوتيريش بوضع قواعد دولية متناسقة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن الابتكار يحتاج إلى ضوابط، وأن التقنية كلما ازدادت قوة ازدادت حاجتها إلى الحوكمة.
وتكتسب هذه الدعوة أهميتها من سرعة انتشار التقنية. فقد أشار الأمين العام إلى أن الإنترنت احتاج نحو خمسة عشر عاماً للوصول إلى مليار مستخدم، بينما وصل الذكاء الاصطناعي إلى هذا المستوى خلال عامين تقريباً. كما حذّر من أن تقنية قادرة على إعادة تشكيل الاقتصادات، والتأثير في الانتخابات، وتغيير سوق العمل وموازين الأمن، يجري نشرها بسرعة تفوق قدرة المؤسسات والجهات التنظيمية، بل وحتى بعض مطوريها، على استيعاب آثارها.
لكن التنظيم المطلوب لا ينبغي أن يتحول إلى بيروقراطية تخنق الابتكار، كما لا يجوز استخدام شعار الابتكار ذريعة لإطلاق أنظمة غير مختبرة على المجتمعات.
الحوكمة الجيدة لا تضع المكابح أمام التقنية، بل ترسم الطريق الآمن لاستخدامها. وهي لا تمنع المخاطرة كليةً، وإنما تميز بين المخاطر المقبولة، والمخاطر التي تحتاج إلى ضوابط إضافية، والتطبيقات التي ينبغي حظرها لأنها تمس الحقوق الأساسية أو تهدد الحياة أو الكرامة الإنسانية.
ومن ثم، فإن الإطار الدولي المطلوب يجب أن يقوم على حد أدنى مشترك من القواعد، يشمل سلامة الأنظمة، وشفافية القرارات، وحماية البيانات، والإشراف البشري، والإبلاغ عن الحوادث، والمساءلة عن الأضرار، مع السماح للدول بتكييف هذه المبادئ مع أنظمتها القانونية والثقافية والتنموية.
الأطفال ليسوا حقل تجارب رقمياً
احتلت سلامة الأطفال موقعاً محورياً في دعوة الأمين العام، الذي طالب بالتزام دولي لحماية الأطفال من مخاطر الذكاء الاصطناعي، وبأن تثبت الشركات سلامة أنظمتها قبل إتاحتها لهم.
فالطفل اليوم لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد محرك بحث، وإنما قد يتعامل معه كمعلم أو صديق أو مستشار نفسي أو مصدر للمعلومات. وهنا تتضاعف المخاطر عندما يقدم النظام إجابات مضللة، أو يشجع سلوكاً ضاراً، أو يستغل ضعف الطفل العاطفي، أو ينتج صوراً ومحتويات مسيئة.
وقد دعا غوتيريش إلى منع الأنظمة من إنتاج صور جنسية للأطفال، وإلى إلزامها بالتوقف عن التفاعل الآلي وتحويل الطفل إلى مساعدة بشرية متخصصة عندما تظهر عليه علامات الخطر أو الاضطراب.
وهذه القضية تكشف خللاً واسعاً في نموذج تطوير التكنولوجيا: إذ تُطلق بعض المنتجات أولاً، ثم تبدأ الجهات المعنية في دراسة آثارها الاجتماعية والنفسية لاحقاً. بينما تقتضي الحوكمة السليمة أن تصبح السلامة شرطاً سابقاً للإطلاق، لا استجابة لاحقة بعد وقوع الضرر.
خطر الفجوة الجديدة
من أهم رسائل جنيف أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى قوة هائلة للتنمية، لكنه لن يحقق العدالة تلقائياً.
فالتقنية تصل أولاً إلى الدول والمؤسسات التي تمتلك مراكز البيانات، والطاقة، والاتصال السريع، والجامعات، والكفاءات، ورأس المال، والبيانات المنظمة. أما الدول التي تفتقر إلى هذه المقومات فقد تجد نفسها مستهلكة لنماذج صُممت خارج سياقها، ومدرّبة على بيانات لا تعكس لغتها أو ثقافتها أو أولوياتها.
وحذرت الأمم المتحدة من أن الفجوة الرقمية القائمة قد تتصلب لتصبح فجوة في الذكاء الاصطناعي، ثم تتحول إلى فجوة تنموية وأمنية وسيادية. وفي هذا السياق، أعلن غوتيريش عزمه تقديم توصيات إلى الجمعية العامة بشأن إنشاء صندوق عالمي للذكاء الاصطناعي يهدف إلى دعم المهارات والبيانات وقدرات الحوسبة الميسورة للدول الأقل قدرة.
لكن التمويل وحده لا يكفي. فسد الفجوة يتطلب بناء مؤسسات وطنية قادرة على فهم التقنية وتقييمها والتفاوض بشأنها، لا مجرد شراء التطبيقات الجاهزة.
هل تستطيع الأمم المتحدة تحويل الحوار إلى قواعد؟
رغم القيمة التاريخية للحوار، فإنه لم يُصمم في دورته الأولى لإنتاج معاهدة دولية ملزمة، وإنما لتقريب المواقف ومناقشة القواعد والمخاطر والفرص.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي: فقد أنتج العالم خلال السنوات الماضية عشرات المبادئ والمواثيق والتوصيات الأخلاقية، لكنها بقيت متفرقة، ومتفاوتة، وفي كثير من الأحيان اختيارية، دون قياس واضح لمدى فعاليتها في الواقع. وقد أشار التقييم العلمي الأممي نفسه إلى تعدد أدوات الحوكمة وتجزئتها وتركز كثير منها لدى عدد محدود من الشركات والدول.
لذلك لن يُقاس نجاح حوار جنيف بجودة الكلمات أو عدد المشاركين، وإنما بقدرته على الانتقال إلى نتائج عملية، مثل:
وضع معايير دولية مشتركة لاختبار الأنظمة المتقدمة، وإنشاء سجل عالمي للحوادث الجسيمة، وتطوير قواعد للإفصاح عن قدرات النماذج ومخاطرها، واعتماد مراجعات مستقلة، وحماية المبلغين داخل شركات التكنولوجيا، وفرض رقابة بشرية حقيقية على القرارات المؤثرة في الحقوق والحريات والحياة الإنسانية.
كما يجب ألا تبقى حوكمة الذكاء الاصطناعي شأناً تتفاوض بشأنه القوى الكبرى والشركات العملاقة وحدها. فالدول النامية هي الأكثر عرضة لتحمل آثار أنظمة لم تشارك في تصميمها، والأقل قدرة على اكتشاف الانحياز أو التلاعب أو الاعتماد التقني المفرط.
ماذا يعني ذلك للدول العربية والخليجية؟
تمتلك دول الخليج فرصة استثنائية للانتقال من موقع مستهلك التقنية إلى موقع المشارك في تصميم قواعدها. فالاستثمارات الكبيرة في التحول الرقمي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والمدن الذكية يمكن أن تمنح المنطقة ثقلاً مؤثراً، بشرط أن يواكب الاستثمار التقني بناء منظومة حوكمة ناضجة.
وتحتاج الدول والمؤسسات العربية إلى أطر وطنية واضحة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، ولجان متخصصة على مستوى مجالس الوزراء ومجالس إدارات الشركات، وسجلات شاملة للأنظمة المستخدمة، وتقييمات إلزامية للمخاطر والأثر، وسياسات للمساءلة والتدقيق، وقواعد أكثر صرامة عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحة والتعليم والتمويل والتوظيف والقضاء والخدمات الحكومية.
كما تحتاج المنطقة إلى تعاون خليجي وعربي بشأن سلامة النماذج، وحماية البيانات، والاختبارات التنظيمية، واللغة العربية، والبيانات المحلية، والأمن السيبراني، والمشتريات الحكومية. فشراء نظام ذكي دون معرفة مصادر بياناته وحدود دقته وآليات الاعتراض على قراراته لا يمثل تحولاً رقمياً، بل قد يكون استيراداً لمخاطر غير مرئية.
والأهم أن تصبح حوكمة الذكاء الاصطناعي جزءاً من استراتيجية المؤسسة، لا ملفاً تقنياً محصوراً داخل إدارة تكنولوجيا المعلومات. فمجلس الإدارة والإدارة التنفيذية مسؤولان عن فهم أين تستخدم الخوارزميات، وما القرارات التي تفوض إليها، وما المخاطر القانونية والتشغيلية والأخلاقية والسمعة المترتبة عليها.
حوكمة التقنية تبدأ بحوكمة الإنسان
التحدي الأكبر الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي ليس أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً، وإنما أن تظل المؤسسات البشرية قادرة على ممارسة الحكمة والمسؤولية والمساءلة.
إننا لا نحتاج إلى الاختيار بين التقدم والحماية، أو بين الابتكار والحقوق. بل نحتاج إلى نموذج يجعل الحماية جزءاً من الابتكار، والشفافية مصدراً للثقة، والمساءلة شرطاً للاستدامة.
لقد فتحت جنيف الباب أمام بناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي، لكن الطريق ما زال طويلاً. فالخوارزميات تتطور في أسابيع، بينما تستغرق القوانين والمؤسسات سنوات. وإذا لم يتحرك العالم بسرعة مسؤولة، فقد نجد أن القواعد قد كُتبت بالفعل، لا في البرلمانات أو المؤسسات الدولية، وإنما داخل الشفرة البرمجية ونماذج الأعمال التي تملكها قلة من الشركات.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الحكومات ومجالس الإدارات والمجتمعات ليس فقط: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟
بل أيضاً: من سمح له بذلك، وتحت أي ضوابط، ولصالح من، ومن يتحمل المسؤولية عندما يخطئ؟
تلك هي أسئلة الحوكمة الحقيقية… وهي الأسئلة التي ستحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيبقى أداة في خدمة الإنسان، أم يتحول الإنسان تدريجياً إلى تابع لقرارات لا يفهمها ولا يستطيع مساءلتها.



